العقل حفظ التجارب، وخير ما جرّبت ما وعظك. ( نهج البلاغة ٣: ٥٢ـ ٥٣)      ليس للعاقل أن يكون شاخصاً إلاّ في ثلاث: مرمة لمعاش، أو خطوة في معاد، أو لذة في غير محرم. ( نهج البلاغة ٤: ٩٢)      من تذكر بعد السفر استعد. ( نهج البلاغة ٤: ٦٨)        ليس كل طالب يصيب ولا كل غائب يؤوب. ( نهج البلاغة ٣: ٥٣)      ما أكثر العبر وأقل الاعتبار. ( نهج البلاغة ٤: ٧٢)      
البحوث > المتفرقة > من وحي سيرة الإمام الصادق عليه السلام الصفحة

من وحي سيرة الإمام الصادق عليه السلام (١)
نبيل علي صالح (سورية)
المبحث الأول: مقدمة تاريخية
ولد الامام جعفر بن محمد الصادق ـ عليه السلام ـ بالمدينة المنورة في السابع عشر من شهر ربيع الأول سنة ثلاث وثمانين للهجرة النبوية الشريفة.
وقد كانت الفترة الزمنية التي عاشها ـ عليه السلام ـ حافلة بالأحداث السياسية والاجتماعية، التي يمكن رصدها زمنياً وتاريخياً في النقاط التالية:
النقطة الأولى
عاشت الأمة الاسلامية أجواء الانحراف، في طبيعة الحكم والممارسة الإسلامية، منذُ أن نجحت السقيفة ـ كمشروع تفتيت سياسي واجتماعي وثقافي ـ في تحقيق أهدافها القبلية المشبوهة على صعيد رئاسة الدولة في طبيعة الزعامة القيادية، وواقع المجتمع والناس في طبيعة العلاقات الناظمة، وعلى صعيد الأمة من خلال حتمية انهيارها وذوبانها في مشاريع المسخ والاستلاب والتبعية.
وقد كان من الطبيعي أن تعطي ثقافة السقيفة للأمة امتدادها التاريخي المنحرف، بأن تقدّم لها إسلاماً مشوهاً ممسوخاً لا يحفظ الصلة العاطفية، فضلاً عن الفكرية(١)، بين أشرف رسالات السماء وأشرف أمم الأرض، فلا يمكن أن يحفظ هذه الصلة العاطفية الروحية بين الأمة الإسلامية وبين الإسلام. لقد كانت النتيجة الأولى لنمو هذا المنطق القبلي المخالف لروح وقيم الإسلام الأصيل، هي ابتعاد المسلمين عن ممارسة التجربة الصحيحة للإسلام، وإدخالهم في متاهات النهج الجاهلي المعبّر عن نزعة ذاتية طغيانية في الوصول إلى كرسي الحكم، حتى ولو كان ذلك على حساب طموحات وأداء مبادىء الرسالة، ومنظومتها الفكرية والتشريعية.
النقطة الثانية
عانت الأمة بعد أن نجحت حالة الانحراف في مسخ هويتها واستبدالها بهوية جاهلية، وتسلَّط ذوو الأهواء وأصحاب المطامع عليها، أقول: عانت الأمة بقواها المعارضة والمجاهدة، حالات الذوبان والانصهار في إرادات الحكام; وكان من الطبيعي جداً أن تشهد تلك المرحلة مزيداً من الأزمات المعقدة والنكبات العاتية، التي ظهرت من خلال قتال الحكومة الإسلامية الرشيدة ممثلة بإمامة وقيادة علي ـ عليه السلام ـ للناكثين والقاسطين والمارقين على القانون الإسلامي، وما أفرزته هذه الحالة الأمنية العسكرية الضاغطة من إرهاق نفسي وسلوكي، واستنزاف مادي تعبوي أثَر سلباً على خط الجهاد والدعوة في بعض مفاصله العامة ولا سيما بعد استشهاد الإمام علي وظهور أحداث وظروف موضوعية أفضت راهناً إلى صلح الإمام الحسن معاوية، ولاحقاً إلى استشهاد الإمام الحسين.

(١) الشهيد السيد محمد باقر الصدر، أهل البيت تنوع أدوار ووحدة هدف: ١٣.