نظام العلاقات الدولية في الإسلام: المبادئ التأسيسية
عباس الذهبي(١)
أطل الاسلام على عالم تسوده الفوضى والاضطراب، وتتحكم فيه شريعة الغاب، فكانت العلاقات الدولية تقوم على مفاهيم وقواعد خاطئة، وتعتمد على منطق القوة الغاشمة. فقد (اعتقد اليونانيون بتفوقهم على سائر الشعوب الاخرى، فاصبحت الحروب والفتوحات اساس علاقتهم بتلك الشعوب، ولم يختلف الرومانيون كثيراً عن اليونانيين في نظرتهم ـ هذه ـ وفي ادعائهم التفوق والسيطرة على العالم المتمدن آنذاك.. وابرم الرومان كثيراً من معاهدات الصلح مع الشعوب المغلوبة، تميزت بتفوق الغالب على المغلوب)(٢).
وفي الشرق كانت الدولة الكسروية، تخضع لحكم الفرد المطلق، يرسم سياستها، ويحدد علاقاتها الخارجية تبعاً لهواه ومصالحه الخاصة، وكانت العلاقات بين الدولتين القيصرية والكسروية، تمتاز بالتدهور والقطيعة، والحرب بينهما سجال.
أما الجزيرة العربية ـ قبل الاسلام ـ فقد ظلت بعيدة، ولم تلعب دوراً كبيراً في التاريخ، (لان الحضارات القائمة في الجزيرة آنذاك ظلت مقصرة عن تلك التي جاورتها، فلم تحاول ان تقهر غيرها من البلدان، كما انه لم يكن من السهل التغلب على الجزيرة ذاتها)(٣).
أما البلاد العربية الاخرى فكانت منقسمة على نفسها، وترتبط بعلاقات التبعية للدولتين الرومية والفارسية وفق النظام الدولي السائد آنذاك، الذي يمكن ان نطلق عليه بالتعبير المعاصر (نظام القطبين). فمن جهة نجد: (ان الامبراطورية البيزنطية قد حمت هؤلاء العرب في الشام، واتخذت منهم حارساً للحدود بينها، وبين الجزيرة العربية،وجعلت منهم ملوكاً وسادة، واجزلت لهم العطاء، ويسرت لهم سبل العيش، وكذلك صنعت الامبراطورية الفارسية بالعرب الذين استقروا في العراق، اتخذتهم حرساً للحدود بينها وبين الجزيرة العربية، وجعلت منهم ملوكاً وسادة، وملَّكت بعضهم الارض واغدقت عليهم العطاء)(٤).
أما الصين فقد كانت قوة منيعة ولكنها كانت بعيدة.. وهذه البلاد الواسعة لم تتمتع بحكومة مركزية متماسكة. هذه هي حالة العالم الاسيوي والاوربي عند بزوغ فجر الاسلام(٥).