مقدمة في نشأة وتطور الحياة العلمية في الكوفة
عبد الجبار الرفاعي
تعود نشأة الحياة العلمية في الكوفة إلى الايام الأولى من تمصيرها، ذلك ان الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، بعث اليها (عمار بن ياسر أميراً، وعبد الله بن مسعود معلماً ووزيراً)، وذكر لهم انه آثرهم بعبد الله على نفسه اثرة وحباً لهم، لأنه وعمار بن ياسر (من النجباء من أصحاب محمد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ)(١).
وتفرغ عبد الله بن مسعود لتعليم أهل الكوفة القرآن الكريم(٢)، وبيان أصول تلاوته، وتفسيره، فتخرج عليه بعض القرّاء المعروفين، مثل زِرّ بن حُبَيْش الشكري العُطاردي الذي (قرأ على عبد الله بن مسعود القرآن كله، في كل يوم آية واحدة، لايزيده عليها شيئاً، فاذا كانت آية قصيرة استقلها زرّ من عبد الله، فيقول عبد الله: خُذها، فوالذي نفسي بيده، لهي خير من الدنيا وما فيها)(٣). ومارس صحابة آخرون التعليم في الكوفة بعد تأسيسها مباشرة غير ابن مسعود، فقد قال نصر بن عاصم الليثي: (أتيت اليشكري في رهط من بني ليث، فقال: قدمت الكوفة، فدخلت المسجد، فاذا فيه حلقة كأنما قُطِعت رؤوسهم، يستمعون إلى حديث رجل، فقمت عليهم، فقلت: مَنْ هذا؟ فقيل: حذيفة بن اليمان صاحب رسول الله، فدنوت منه، وسمعت بعض حديثه، عن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ)(٤). وقال عمران بن سريع: (كنا مع حذيفة رضي الله عنه في مسجد الكوفة، فأنشأ يُحدّث عن الأحزاب)(٥).
إن هذه الاشارات تدلل على ان الدرس القرآني والحديث انطلق في الكوفة منذ الايام الأولى لتمصيرها وهبوط الصحابة فيها، بيد ان الحياة العلمية افتتحت عهداً جديداً حالما وفد أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ اليها سنة ٣٥هـ، وأضحت السنوات الخمس التي مكث فيها بالكوفة منذ وفوده اليها حتى استشهاده سنة ٤٠هـ تمثل العصر التأسيسي لغير واحد من العلوم الاسلامية، ذلك ان الامام علياً ـ عليه السلام ـ عنى عناية فائقة بغرس وتنمية الحياة العلمية، ولم تمنعه الحروب والاضطرابات التي استغرقت منه زمناً وجهداً كبيراً، من مهمته العلمية في هذه الحاضرة الجديدة. فكان نشر العلوم الاسلامية شاغله الأعظم، وكانت تربية واعداد نخبة من حملة هذه العلوم وظيفته التي ما انفك مواظباً عليها في السلم والحرب، وفي الحضر والسفر، وفي الكوفة وخارجها. ففي كل زمان كان معلماً، وفي كل مكان حل فيه كان معلماً ايضاً ، وحرص تلامذته على الإفادة منه وحفظ مايلقيه اليهم اينما كانوا.