صدر العاقل صندوق سره. ( نهج البلاغة ٤: ٣)      المرء مخبوء تحت لسانه. ( نهج البلاغة ٤: ٣٨)      إياك والإعجاب بنفسك والثقة بما يعجبك منها وحب الإطراء. ( نهج البلاغة ٣: ١٠٨)      الوفاء لأهل الغدر غدر عند الله، والغدر بأهل الغدر وفاء عند الله. ( نهج البلاغة ٤: ٥٧)      اللسان سبع إن خلي عنه عقر. ( نهج البلاغة ٤: ١٥)      
البحوث > المتفرقة > نظريات التنمية السياسية نموذج للتحيّز في العلوم السياسية الصفحة

نظريات التنمية السياسية نموذج للتحيّز في العلوم السياسية
د. نصر محمد عارف
إن أي إنتاج علمي وضعي منطلق من العقل والواقع البشري ومؤسس عليهما ومحدد بحدودهما، لابد ان يُلْبس بخصوصيات هذا العقل وذاك الواقع بدرجة أو بأخرى، بحيث يكون هذا الإنتاج العلمي معبراً في معظم مقولاته عن ثقافة المجتمع التي صيغ وتشكل فيها العقل البشري الذي أنتجه، وعن الواقع الاجتماعي الذي ألقى بظلاله وفرض قضاياه وأولوياته وأزماته عليه; فلا يستطيع أن يتجرد ـ مهما سعى لذلك ـ تجرداً كاملاً، وإنما يظل هناك قدر يمكن إرجاعه إلى خصوصية الزمان والمكان والإنسان. هذا الامر لصيق بالفطرة البشرية ذات المداخل المعرفية المحدودة بالزمان والمكان ناهيك عن الهوي. أما الإنتاج العلمي المرتبط بالوحي والنابع منه أو الدائر حول مفاهيمه وأوامره فإن عنصر الخصوصية فيه يضيق ولا ينعدم، ذلك ان هذا العنصر يرتبط بالواقع وقدرات الإنسان ومعرفته، أما البعد الغيبي فإنه بطبيعته متجاوز لحدود الزمان والمكان، ومن ثم فإن هذا الإنتاج العلمي يشهد قدراً من الخصوصية المرتبطة بالزمان والمكان والإنسان أقل كثيراً من ذلك الفكر النابع من الواقع والعقل البشري. ومن هنا فإن خصوصية الفكر البشري وارتباطه ببيئته وثقافته ونمطه المجتمعي أمر بديهي، أما محاولة إطلاق صفة العمومية والشمول على فكر بشري بعينه، بصورة تجعله فكراً متجاوزاًلحدود الزمان والمكان وقدرات الإنسان، صالحاً وصحيحاً بصفة دائمة، أو أنه المعبر عن الحقيقة كما هي في الواقع، فذلك أمر يخرج عن بدهيات الأمور ومعطيات العقل البشري، ومن ثم يتجاوز حدود العلم الملتزم بمعايير الحق والعدل، إلى نموذج منحرف للعلم يدخل به فيإطار التحيز المفضي إلى إغفال العديد من أبعاد الظاهرة الاجتماعية لأنها لا تتفق مع المسلمات التي ينطلق الباحث منها أو النتائج التي يرغب في الوصول إليها.
وجوهر مفهوم التحيز هو التمحور أو التمركز حول (الذات) والانغلاق فيها ورؤية (الآخر) من خلالها وقياسا عليها، مما يعني نفي (الآخر) نفيا كاملاً خارج إطار التاريخ أو الوجود أو العلم; والسعي نحو استبدال ماهيته أو هويته وإحلالها بمحتوى يتفق ومعطيات (الذات) وأهدافها، وذلك بالقضاء على تفرده وخصوصيته وإعادة إدماجه في النسق الذيترى (الذات) المتحيزة أنه الأمثل طبقاً لمنظورها للإنسان والكون والحياة أو نسقها الفكري وعقيدتها ومثلها العليا.
ومن خلال هذا الفهم لمفهوم التحيز سوف نعرض لنظريات التنمية السياسية ـ التي تعدجوهر مفهوم التنمية وقمته حيث تستوعب في إطارها جميع أطروحات نظريات التنمية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، ومن ثم فإن هذا يعرض للأسس الفلسفية والمنهجية لجميع نظريات التنمية في العلوم الاجتماعية عامة، وإن استخدم مفهوم التنمية السياسية ـ في اسسها الفلسفية ومنطلقاتها الفكرية ومناهجها ومفاهيمها ومسالكها، وذلك لتحديد مدى سريان مفهوم التحيز في هذه النظريات، وهل ترك آثاراً عليها تدمغها بطابع الخصوصية المنحازة؟ أم أن هذه النظريات ذات صبغة عالمية تصلح لجميع المجتمعات البشرية على اختلاف أماكنها وبيئاتها الثقافية، عقائدها، وأنماطها الحياتية، ونظمها ومؤسساتها؟ وذلك من خلال النقاط