هل البداء من أصول الشيعة؟
* الشيخ محمد هادي اليوسفي الغروي
المقدمة
في سنة (١٣٤٨هـ) أرسلت الحكومة العراقية بعثة علمية للدراسة بدار العلوم العليا بمصر, وفيها شاب عراقي كان يختلف هناك الى كبار علماء القاهرة بالأزهر وغيره, وربما جرى الحديث بينهم عن النجف الأشرف وعلمائها وطريقة دراستهم فيها والهجرة اليها, فيثنون عليهم ويعجبون بهم, ولكنهم يأسفون لتشيعهم! لأنهم يحسبون التشيع طريقة سياسية ابتدعها الفرس لقلب الدولة الأموية الى العباسية, وإلا فلا علاقة لها بالأديان الإلهية!
وكتب الشاب العراقي بهذا وذاك الى الإمام الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء النجفي, في كتاب مطول يتوسل به اليه أن يكشف له ذلك, ويضع مسؤولية ضلاله على الشيخ الإمام إن هو لم يكتب له في ذلك. فكتب له الإمام رسالة بريدية تزيح عنه الريب والشكوك.
ثم وقع بيد الإمام الشيخ كتاب (فجر الإسلام) للدكتور أحمد أمين المصري, فرآه قد كتب فيه عن الشيعة كتابة عشواء مظلمة. وزار الدكتور ضمن وفد مصري في ثلاثين عضواً من الأستاذة والطلاب العراق والنجف الأشرف في شهر رمضان من عام (١٣٤٩ هـ) فعاتبه الإمام الشيخ على تلك الهفوات, فاعتذر بالجهل وقلة المصادر!
ثم كتب الى الامام الشيخ شاب آخر من سادة شيعة بغداد هو الدكتور السيد عبد الرزاق الحسني كتاباً يحثه فيه بالطلب المتتابع على أن يكتب عن الشيعة رسالة موجزة تنشر بين الأمم الجاهلة فتعرفهم ولو بالنزر اليسير بأحوال هذه الطائفة ومعتقداتها وديانتها.
واستجاب الشيخ الإمام فكتب الكتاب, وكتب في مقدمته يقول: (من كل ذلك رأيت أن من الظلم الفاحش السكوت والتغاضي عن هذه الكارثة, ولكن أعظم الفرض وأشرف الغاية رفع أغشية الجهل عن المسلمين من عامة فرق الإسلام, كي يعتدل المنصف, وتتم الحدة على المعاند, وترتفع اللائمة ووصمة التقصير عن علماء هذه الطائفة...وأعلى من ذلك: رجاء حصول الوئام, ورفع الشحناء والخصام بين فرق الإسلام).
وكذا ختم مقدمته بقوله: (بعد توفر تلك الأسباب والدواعي والشؤون والشجون, وبعد الوقوف على تلك الطعنات الطائشة على الشيعة, المتتابعة من كتبة العصر في مصر وغيرها...رأينا من الفرض علينا أن نكتب موجزاً من القول عن معتقدات الشيعة وأصول مذهبها, وأمهات مسائل فروعها التي عليه إجماع علمائها, والذي يصح أن يقال: إنه مذهب الشيعة على اطلاقها... وإنما المقصود هنا: بيان ذات المسائل التي يدور عليها عملهم ولا خلاف فيها بينهم, من دون تعرض للأدلة والحج, فانها موكولة الى { ٢ {
الكتب المطولة, وهو خارج عن الغرض المهم من تعريف كافة فرق المسلمين وأفراد كل طائفة من علمائها وعوامها عن عقائد الشيعة حتى يعرفوا أنهم مسلمون مثلهم, فلا يظلمون أنفسهم ويتورطون في نسبة الأضاليل والأباطيل إلى اخوانهم في الدين... فعسى أن ينتبه الغافل ويعلم الجاهل, ويرتدع المهوس الطائش عن غلوائه, وينكسر المتعصب عن نشوته ويتقارب من اخوانه... لعل الله يجمع شملهم ويجعلهم يداً واحدة على أعدائهم, وما ذلك على الله بعزيز) (١).
في خاتمة كتابه هذا كتب يقول: (ومما يشنع به الناس على الشيعة ويزدري به عليهم قولهم بالبداء, تخيلاً من المشنعين: أن بالبداء الذي تقول به الشيعة هو عبارة عن أن يظهر ويبدو له ـ عز شأنه ـ أمر لم يكون عالماً به! وهل هذا إلا الجهل الشنيع والكفر الفضيع) لاستلزامه الجهل على الله تعالى, وأنه محل للحوادث والتغيرات, فيخرج من حظيرة الوجوب إلى مكانة الإمكان. وحاشا الإمامية بل وسائر فرق الاسلام من هذه المقالة التي هي عين الجهالة بل الضلالة, أما البداء الذي تقول به الشيعة والذي هو من أسرار آل محمد وغامض علومهم فهو عبارة عن اظهار الله ـ جل شأنه ـ أمراً يرسم في ألواح المحو والاثبات, وربما يطلع عليه بعض الملائكة المقربين فيخبر الملك به النبي, والنبي يخبر به أمته, ثم يقع بعد ذلك خلافه؛ لأنه محاه وأوجد في الخارج غيره, وكل ذلك كان يعلمه حق العلم, ولكن في علمه المخزون المصون الذي لم يطلع عليه لا ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا ولي ممتحن, وهذا المقام من العلم هو المعبر عنه في القرآن الكريم بـ (أم الكتاب) المُشار إليه والى المقام الأول بقوله تعالى: (يمحو الله ما يشاء ويُثبت وعنده أم الكتاب) (٢).
قال: ولا يتوهم الضعيف أن هذا الإخفاء والإبداء يكون من قبيل الإغراء بالجهل وبيان خلاف الواقع؛ فان في ذلك حكماً ومصالح تقصر عنها العقول وتقف عندها الألباب.
وبالجملة: فالبداء في عالم التكوين كالنسخ في عالم التشريع؛ فكما أن لنسخ الحكم وتبديله بحكم آخر مصالحاً وأسراراً بعضها ظاهر وبعضها غامض, فكذلك في الاخفاء والإبداء في عالم التكوين.
وقال: على أن قسماً من البداء يكون من اطلاع النفوس المتصلة بالملأ الأعلى على الشيء, وعدم اطلاعها على شرطه أو مانعه؛ مثلاً: اطلع عيسى (عليه السلام) على أن العروس يموت ليلة زفافه ولم يطلع على أن ذلك مشروط بعدم صدقة أهله, فاتفق أن أمه تصدقت عنه, وكان عيسى (عليه السلام) أخبر بموته ليلة عرسه, فلم يمت, فسئل عن ذلك فقال: لعلكم تصدقت عنه, والصدقة تدفع البلاء المبرم, وهكذا نظائرها.
قال: قد تكون الفائدة: الامتحان وتوطين النفس؛ كما في قضية أمر ابراهيم بذبح اسماعيل (عليه السلام).
قال: ولولا البداء لم يكن وجه للصدقة, ولا للدعاء, ولا للشفاعة, ولا لبكاء الأنبياء والأولياء وشدة خوفهم وحذرهم من الله مع أنهم لم يخالفوه طرفة عين؛ وإنما خوفهم من ذلك العلم المصون المخزون الذي لم يطلع عليه أحد ومنه يكون البداء.