لا ورع كالوقوف عند الشبهة. ( نهج البلاغة ٤: ٢٧)      سل عن الرفيق قبل الطريق، وعن الجار قبل الدار: نهج البلاغة ٣: ٥٦)       ليس كل طالب بمرزوق ولا كل مجمل بمحروم. ( نهج البلاغة ٣: ٥١)        لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حرّاً. ( نهج البلاغة ٣: ٥١)      من أمن الزمان خانه، ومن أعظمه أهانه. ( نهج البلاغة ٣: ٥٦)      
البحوث > المتفرقة > تأثيرات الحركة القومية على الصعيد الإنساني العام الصفحة

تأثيرات الحركة القومية على الصعيد الانساني العام
عبد الكريم آل نجف
في ضوء الرؤية الإسلامية، يمكن تقسيم القومية إلى نوعين: القومية الايجابية، وهي التي تقوم على قاعدة عالمية وتُنسج خيوطها ضمن اطار عالمي واسع، بحيثُ تشكل معه جزءاً من كل ـ والقومية السلبية، وهي التي تتكون بعيداً عن هذا الإِطار، وتقوم على أساس التمرد عليه.
منشأ الفرق بين النوعين أنّ النظرة إلى الانسان عندما تنطلق من الخصائص الأصلية له وتنتهي بالخصائص الثانوية والطارئة، أي تضع الإنسان في الاطار الانساني ـ أوّلاً ـ ومنه تتحول إلى الاطار المحلي والقومي. حينئذ تكون قاعدة القومية ايجابية، لأنّها تنبع من نظرة عالمية من حيثُ الأصلُ، وعندما تنطلق بشكل معكوس، مبتدئة من الخصائص الثانوية والطارئة، وتضع الانسان في اطاره المحلي والقومي ـ أوّلاً ـ ومنه تتحول إلى لاطار الانساني والخصائص الأصلية، فإنّها تكون قاعدة لقومية سلبية، وهذا من خصائص القانون الطبيعي الذي يقضي الابتداء مع الأشياء من بدايتها الطبيعية والانتهاء معها إلى حيثُ النهايةُ الطبيعيةُ لها. فالقومية تكون ايجابية عندما تساير القانون الطبيعي وترتد إلى واقع سلبي عندما تتمرد عليه.
والقومية الحديثة تعبِّر عن عصبية وعنصرية في معظم مقوماتها، فهي من النوع الثاني كما أشرنا. فبعد أن فشلت النظرة المسيحية العالمية في التغلغل المؤثر في شخصية الفرد الأوربي، ظهرت القومية بديلاً عنها واشتد التناقض بينهما حينما سعى البديل القومي إلى تكوين قاعدة مادية له تقف في قبالة القاعدة الالهية للمسيحية. وحيثُ كانت الأخيرة تعيش التهرؤ والانهيار وكان المجتمع ينظر إليها بمقت وازدراء، استطاعت القومية أن تجذب الساحة الاجتماعية نحوها وتظهر بصورة البديل الاجتماعي الجدير بدلاً من الكنيسة.
وهكذا ولّت أوروبا ظهرها لإله الكنيسة، واستقبلت القومية إلهاً جديداً، وكان من الطبيعي أن يكون الهاً عنصرياً يُؤْثِرُها على غيرها، لفضل أوروبا عليه بوصفها المبدع الأول له، ولأنّها عريقة في العنصرية، ولأنّ العنصرية توأم الفكر المادي. وبسبب ذلك تحولت أوروبا بسرعة خاطفة من القومية إلى العنصرية وصار كل انسان يؤلِّه عِرقه الخاص ويدعي له خصائص الكمال. ويضفي عليه ألواناً من التقديس ويقدِّم له النذور والقرابين حتى ليخيل للدارس أنّ انسان القرن التاسع عشر والقرن العشرين ارتد على عبادة الطواطم، في وقت كان هذا الانسان قد خيِّل له انّه عثر على اكسير الحياة. وأخذت الامم تتبارى نحو التبلور القومي