إذا بخل الغني بمعروفه باع الفقير آخرته بدنياه. ( نهج البلاغة ٤: ٨٨ )     إفعلوا الخير ولا تحقروا منه شيئاً، فإن صغيره كبير وقليله كثير. ( نهج البلاغة ٤: ٩٩)        لا تخاطر بشيء رجاء أكثر منه، وإياك أن تجمح بك مطيّة اللجاج. ( نهج البلاغة ٣: ٥٣)      إياك والإعجاب بنفسك والثقة بما يعجبك منها وحب الإطراء. ( نهج البلاغة ٣: ١٠٨)       المال مادة الشهوات. ( نهج البلاغة ٤: ١٥)      
البحوث > المتفرقة > وحدة المسلمين حول الثقافة الاسلامية الصفحة

وحدة المسلمين حول الثقافة الإسلامية
الشيخ محمد تقي القمي
السكرتير العام لجماعة التقريب
لا يهمنى إن كانت هذه القصة حقيقة واقعية، أو خرافة من نسج الخيال، وإنما يهمنى أن تكون مقدمة لنتائج نتعرض لها في هذا المقال.
ولا يهمنى إن كان بطلها من حكماء الفرس، أو من أبطال الرومان، أو من غزاة العرب، من الموحدين أو من غيرهم، بقدر ما تهمنى فكرته السامية.
كان حكيما نافذ الكلمة في عشيرته، شديد الغيرة على مصالحهم، تقدمت به السن، فأراد أن يزف وحيده ويتنازل له عن رياسة قومه، فقدم إليه أتباعه ـ على عادة القبائل والعشائر ـ هدايا ثمينة، فأراد أن يستغل شعورهم هذا في توطيد الإمارة لولده، ولأحفاده من بعده، فخطب فيهم شاكراً، ورجاهم أن يستردوا هداياهم، فألحوا عليه في قبول شئ فقال لهم: (إن كان لابد من تقديم شئ، فأقيموا لولدي بيتاً يسكنه، بشرط أن تشتركوا في بنائه، وتساهموا في إقامته، وأحب أن أراكم تحملون لبنائه بأنفسكم وتضعونها في البناء بأيديكم، فأقدموا على هذا العمل الذي يرضي شيخهم الكبير، ولما تم البناء، أوصى ولده أن يقيم فيه، ولا يتحول عنه، لأن مقامه في بناء مشترك ربط للقلوب والنفوس جميعاً، ولأن الناس يتمسكون به، ويتعلقون بإمارته ما أقام في هذا البيت الذي صنعوه بأنفسهم، ويقولون: إن نبوءة الشيخ تحققت، وكان نزيل هذه الدار من أحفاده أميراً مرموقاً وحاكما مطاعا.
إذا كانت هذه قصة خيالية، فهناك قصة من صميم الواقع، عن قصر فخم لم تر عين الزمان مثله، أقيم على أساس متين، وشيد من حجر صلد بأيدي أمهر البناة المخلصين من الأبيض والأسود، ساهم في إقامته رجال من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، من بلخ وبخارى وسمرقند وطوس وطبرستان والري والعراق والشام والحجاز ومصر والأندلس وما بينها، وتعبت فيه عقولهم ـ إن صح هذا التعبير ـ واستعملت فيه لبنات نورانية بدل اللبنات الظلمانية المعروفة.
وإذا كانت مرضاة ذلك الشيخ هي الدافع إلى بناء ذلك البيت الصغير، فان الدافع إلى بناء هذا القصر المنيف، هي مرضاة الله في الدارين، وإرضاء الضمير والإيمان والعقيدة، بني باسم الإسلام، وقدمه بناته إلى الاسلام، ليكون في خدمة الإسلام والمسلمين، ولم يكن لحدائقه أسوار تمنع الناس من الدخول فيه، ولا بين أقسامه حواجز تحجب عن الرواد بعض نواحيه، فتوجهت إليه عقول الملايين، وتعلقت به قلوب مئات الملايين، وعبق عطره في أركان العالم الإسلامي وفاح شذاه في أركان الكون كله، وأطلت عظمته على الشرق والغرب.