فريضة الحج
الشيخ محمد محمد المدني
لا نعرف عبادة من العبادات عنى بها القرآن الكريم على وجه التفصيل، وبينها بنصوصه أكمل بيان، وعرض لكل ما يلابسها أو يتصل بها من أحكام وشعائر، وأبرزها في صورة رائعة تملأ النفوس، وتهز القلوب، وتشعر المؤمنين بعظمة الله، ونعمة الله، كعبادة الحج:
أنبأنا الله تعالى: ان اول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين، وأنبأنا انه اختار لبناء هذا البيت نبيا كريما هو خليله ابراهيم الذي جاهد الشرك وحطم الاوثان، وهاجر إلى ربه في واد غير ذي زرع، وأنبأنا بأنه هو الذي بوّأ لابراهيم مكان هذا البيت، أي هيأ له موضعه بإرشاد منه ووحي، وعين له سمته، وهداه اليه، ثم عهد في بنائه ورفع قواعده إلى هذا النبي الكريم وابنه اسماعيل وصور لنا موقفهما الرائع، موقف شيخ كبير، وابن له فتى صغير، يرفعان القواعد، ويبتهلان إلى الله في حرارة الايمان، وقوة اليقين، راجيين القبول، مفكرين في أمر الأمة حاضرها ومستقبلا، حريصين على هداها وتوفيقها " وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت واسماعيل: ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم. ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا امة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا انك أنت التواب الرحيم. ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم انك أنت العزيز الحكيم " وأنبأنا جل شأنه أنه جعل هذا البيت مثابة للناس وأمنا، لا يجوز فيه قتال. ولا يجوز من حوله قتال، فمكن لهم بذلك حرما آمنا في بلاد مضطربة لا ضابط لشئونها، والناس من حوله يتخطفون كما يتخطف الطير، وأنبأنا أنه أكرم جيرانه، فجعل أفئدة من الناس تهوى اليهم، ورزقهم من الطيبات، وجبى إليهم ثمرات كل شئ، وأنبأنا أنه أكرم رسوله حين استجاب له وهو يقلب وجهه في السمء، فولاه قبلة يرضاها هي هذا المسجد الحرام، ثم جعل شعائره شعائر الله، ففرض على الناس تعظيمها وحرم عليهم انتهاكها، وإرادة الالحاد أو الظلم فيها، وأوجب حجه على كل مستطيع، وجعل ذلك حقا " لله " على الناس من استطاع إليه سبيلا، وأشعر بأن رفضه أو التكاسل عنه لغير عذر كفر وجحود " ومن كفر فإن الله غني عن العالمين "، وجعل هذا الحج في أشهر معلومات " فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج "، وعرض لتفاصيل أحكامة، فذكر الطواف والسعي، وامر من أحصر بما استيسر من الهدي، ونهى عن حلق الرؤس قبل أن يبلغ الهدى محله، وجعل لمن كان مريضا أو به اذى من راسه فدية من صيام أو