عوامل ازدهار الحضارات في القرآن ـ ٢
الشيخ حيدر اليعقوبي
لقد تحدث القرآن الكريم عن عوامل ازدهار الحضارات واستمرارها وبقائها في الكثير من آياته ـ كما ذكرنا ذلك مفصلاً في القسم الأول من هذا البحث ـ ويستطيع الإنسان الباحث في كتاب الله أن يقف على العديد من تلك العوامل، وقد ذكرنا منها في العدد السابق المنهج القويم، وفي هذه الحلقة نضيف ثلاثة عوامل أخرى:
العامل الأول: الوحدة الشاملة
من الواضح بأنّ الجهد الحضاري هو جهد جماعي، ولا يثمر إلا إذا كان كذلك، ومحال أن يتحقق العمل الجماعي إلا بعد انصهار الجماعة في وحدة حقيقية مترابطة وشاملة، يقيها من التشاكس الذي من شأنه أن يقضي على جدوى العمل الجماعي، بل من شأنه أن يقضي على العمل ذاته.
وبعبارة أخرى: إنّ المنجزات الحضارية، إنّما هي دائماً نتيجة جهود متناسقة ومشتركة، ولم تكن في وقت من الأوقات ثمرات لجهود فردية أو جماعية متشاكسة، وهيهات أن يتحقق الجهد الجماعي ويعطي شيئاً من ثماره إلا إذا وحدت الثقة أجزاءه، وألفت بين شتاته.
ومن المعلوم أنّ هذا التجزؤ والاختلاف يتحول في كثر من الأحيان إلى خصام، فعداء، وبالتالي فإنّه سوف يقصي الأمة والجماعة عن نيل ثرواتها والاستفادة منها مع أنّها موجودة، ويبعدها عن التمتع بقوتها وهي متوفرة، ويحرمها من عطاء أرضها وهي واسعة وكريمة، مضافاً إلى ذلك فإنّه يجعل العدو يستهين بتلك الأمة المتشاكسة والمتناحرة والمختلفة.
من هنا فقد أهتم الإسلام بالاجتماع وحذر من الفرقة و أسس بنيانه على الاجتماع صريحا ولم يهمل أمر الاجتماع في شأن من شؤونه، وفي ذلك يقول العلامة الطباطبائي: أول نداءقرع سمع النوع الانساني ودعى به هذا النوع إلى الاعتناء بأمر الاجتماع بجعله موضوعا مستقلا خارجا عن زاوية الاهمال وحكم التبعية هو الذي نادى به صادع الاسلام عليه أفضل الصلاة والسلام، فدعى الناس بما نزل عليه من آيات ربه إلى سعادة الحياة وطيب العيش مجتمعين قال تعالى: وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم " الانعام : ١٥٣ " وقال : واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا إلى أن قال : ولتكن منكم امة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ( يشير إلى حفظ المجتمع عن التفرق والانشعاب )