قراءة في الصراع الفكري بين الإسلام والغرب
الدكتور مهدي الكبيسي
لا شك أن الحدث الأهم الذي وضع العرب خصوصاً والشرق عموماً في مجرى التاريخ هو ظهور الإسلام في شبه الجزيرة العربية في بداية القرن السابع الميلادي. وما كاد عام ٧٣٢ م (١١٣ هـ) ينصرم حتى كان المسلمون قد تدفقوا خارج حدود الجزيرة العربية حاملين رسالة الإسلام إلى العالم الوسيع، ومقيمين امبراطورية عظيمة، وعلى حد تعبير المؤرخ فيليب حتي: أعظم من روما في ذروة قوتها، امبراطورية تمتد من خليج بسكاي إلى جزر الهند الغربية وحدود الصين، ومن بحر العرب إلى مساقط المياه لأعالي النيل، فباسم اللّه ينادى خمس مرات في اليوم من على آلاف المنائر المنتشرة في جنوب غربي اوربا وافريقيا الشمالية وآسيا الغربية والوسطى(١).
حدث هذا في الوقت الذي كانت هناك قوتان عظيمتان تحكمان العالم: بيزنطة المسيحية والزرادشتية في فارس، حيث لم تستطع هاتان القوتان الأعظم ـ وقد أنهكتهما الحروب الاستنزافية المتبادلة على مدى ثلاثة قرون ـ أن تقاوما القوة الجديدة. فقد انهارت الامبراطورية الفارسية، وطردت البيزنطية شمالاً إلى الأناضول في مدة لا تتجاوز الخمس والعشرين سنة.
وبهذا يكون الفتح الإسلامي قد غير وجه العالم، وكما يقول: ناتنغ: وليس هناك من امبراطورية بلغت هذه الأبعاد وتم كسبها بمثل هذا الوقت(٢).
إن هذه الفتوحات الإسلامية الواسعة جعلت المسلمين على تماس حاد بثقافات مختلفة، مثل: الثقافة اليونانية والفارسية والهندية، ولم يقتصروا على استيعاب تراث هذه الثقافات فحسب، بل تفاعلوا معها وأضافوا إليها كذلك إضافات جوهرية واسعة بعدما ترجمت انجازاتهم في كافة حقول العلم والمعرفة، وخاصة في الطب والبصريات والكيمياء والفلك والجغرافيا والفلسفة إلى اللغة اللاتينية.
لكن انجازات المسلمين الفكرية ومساهماتهم في المعرفة الإنسانية قد قلت أهميتها وشوّهت ولم يعترف بها، بل إن الغرب قمع كل من حدثته نفسه أن يبدي أي تعاطف يسير مع الإسلام أو المسلمين، كما حصل للعالم (وليم وستن) خليفة نيوتن، والاستاذ في جامعة كمبردج حينما أدّت حماسته للإسلام إلى طرده من الجامعة عام ١٧٠٩م(٣).