قيمة كل امرئ ما يحسنه. ( نهج البلاغة ٤: ١٨)      خاطر من استغنى برأيه. ( نهج البلاغة ٤: ٤٨)      من أصلح أمر آخرته أصلح الله له أمر دنياه. ( نهج البلاغة ٤: ٢٠)      الحدة ضرب من الجنون، لأنّ صاحبها يندم، فإن لم يندم فجنونه مستحكم. ( نهج البلاغة ٤: ٥٦)        العقل حفظ التجارب، وخير ما جرّبت ما وعظك. ( نهج البلاغة ٣: ٥٢ـ ٥٣)      
البحوث > المتفرقة > فتية الكهف الصفحة

فتية الكهف
الشيخ محمد مهدي الآصفي
١ ـ أجواء القصة
من هم هؤلاء الفتية؟ الرواية التاريخية تقول إنهم من شباب القصر، وشباب القصر نموذج خاص من الشباب، يعيشون اجواء التحلل والترف والفتنة والفساد، وليس يتوفر لأحد من الفتنة والفساد ما يتوفر لشباب القصر، حيث ينعمون بالمال ويعيشون الترف والفراغ، وكل ذلك مفسدة للشباب.
وليس شيء في حياة الإنسان من أسباب الاغراء والفتنة يؤدي إلى التحلل والفساد مثل اجواء القصر.
ففي قصة يوسف ـ عليه السلام ـ في اجواء قصر العزيز، لما عرف العزيز أن زوجته هي المعتدية، وأنها أقدمت على خيانته، وشهد على ذلك شاهد من أهلها، لم يزد على أن قال: (يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ).
ويضاف إلى ذلك أن هذه المنطقة كانت مقراً لسلطان الملك الوثني الذي اضطهد النصارى بحدود سنة (٢٥٠م)، وهو الملك داقيوس أو داقينوس أو داقيانوس، وكانت سلطته في هذه الفترة من التاريخ سلطة واسعة، وإذا اضيف الترف إلى (السلطان) كان تربة خصبة للفساد.
في مثل هذه الاجواء كان يعيش فتية أهل الكهف، ينعمون بالمال والسلطان، ويعيشون حياة البذخ والترف.
وهذا هو البعد الأول من الموضوع. ولابد من أن نضيف إلى هذا البعد البعد الثاني لاجواء القصر; حتى تكتمل صورة الجو النفسي والوسط الاجتماعي الذي كان يعيشه هؤلاء الفتية.
لقد كانوا يعيشون دور الشباب من حياتهم. يقول اللّه تعالى عنهم: (إنَّهُمْ فِتْيَةٌ)، وفي مرحلة الشباب تنفتح الغرائز، وتلتهب الاهواء والشهوات، وينجذب الإنسان فيها إلى الفتن بقوة لا يعرفها الإنسان في أية فترة أخرى من حياته، وهذه الفترة من حياة الناس فترة طيش وتحلل عادة.
في مثل هذه الاجواء النفسية والاجتماعية، كان يعيش هؤلاء الفتية تحت سلطان الاهواء، داخل نفوسهم من جانب، وفي ظل الفتن في ساحة الحياة من جانب آخر.
٢ ـ الايمان
يقول تعالى: (إنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ). إن الإنسان يخترق حصار المادة والحس إلى رحاب الغيب بالايمان. وحصار الحس حصار ضيّق، ورحاب الغيب رحاب واسعة، ومن بؤس الإنسان وشقائه أن يبقى سجيناً محاصراً في مساحة الحس، ولا يتمكن أن يخترق هذا الحصار إلى الغيب. وعامل الاختراق هو المعرفة، ونتيجة المعرفة هي الايمان.
والإيمان بالغيب أهم أبعاد شخصية الإنسان. يقول تعالى: (آلم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ). وقد جعل اللّه تعالى الايمان تحت اختيار الإنسان، وسلطان ارادته بصورة كاملة في الحالات السوية له; فهو مسألة عقلية نفسية داخلية، وخاضعة لسلطان ارادة الإنسان.