الحدة ضرب من الجنون، لأنّ صاحبها يندم، فإن لم يندم فجنونه مستحكم. ( نهج البلاغة ٤: ٥٦)      إن استطعت أن لا يكون بينك وبين الله ذو نعمة فافعل. ( نهج البلاغة ٣: ٥١)      اتقوا ظنون المؤمنين، فإن الله تعالى جعل الحق على ألسنتهم. ( نهج البلاغة ٤: ٧٣)        لا تقل ما لا تحب أن يقال لك. ( نهج البلاغة ٣: ٤٦)      صلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام. ( الرسول صلى الله عليه وآله وسلم). ( نهج البلاغة ٣: ٧٦)      
البحوث > المتفرقة > علي بن الحسين الرسالة والرمز الصفحة

عليّ بن الحسين .. الرسالة والرمز
الشيخ حسين عليّ المصطفى
برزت شخصيّة الإمام عليّ بن الحسين ـ عليهما السلام ـ على مسرح الأحداث الإسلاميّة بطراز خاصّ ومتميّز عن باقي أدوار الأئمة عليهم السلام، حيث طرح علاجاً فريداً استطاع من خلاله أن يُزيح عن وعي الأمّة (التخدير الإعلامي) الذي فرضته السلطة الأمويّة.
والأسف كلّ الأسف أن نجد أقلاماً تناولت هذه الشخصيّة الأصيلة بسطحيّة مقنّعة، وقدّمت إلى الأجيال الواعدة شخصيّةً مشوّهة لا تتناسب وشخصيّة الإمام عليه السلام. والسرّ في هذا أنّهم لم يمعنوا النظر والفحص في حياة هذه الشخصيّة، ولم يتعمّقوا في النصوص والمدلولات التي خلّفها للأمّة، والتي من خلالها تُرسَم ملامح شخصيّته العظيمة.
وقد نعته الدكتور كامل مصطفى الشيبي بـ (أنّه أوّل إمام يتّخذ الزهد المطلق منهجاً لحياته، فلا يشارك في حرب أو نقاش ولا يتدخّل في أمر من الأمور)(١).
ويقول الدكتور أحمد محمود صبحي: (كانت فاجعة مقتل أبيه التي شاهدها ببصره أقسى من أن تتركه يطلب بعد ذلك شيئاً من إمارة الدنيا، أو يثق في الناس، أو يُشارك في شأن من شؤون السياسة). اعتكف على العبادة حتّى قيل أنّه كان يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة .. ولكنّ الإقبال على الله واعتزال شؤون العالم بعد أن استشرى فيه داء الجور وساده الظلال كان منهجه في حياته الخاصّة، وطابعه الذي طبع به التشيّع الاثني عشر، فاتّجه إلى الإمامة الروحيّة مبتعداً عن طلب إمامة سياسيّة …)(٢).
وتقول الدكتورة سميرة الليثي: (افتقدت الشيعة ـ بمصرع الحسين ـ الزعيم الذي يكون محوراً لجماعتهم وتنظيمهم، والذي يقودهم إلى تحقيق تعاليمهم ومبادئهم، وانصرف الإمام عليّ زين العابدين عن السّياسة إلى الدين وعبادة الله عزّ وجلّ، وأصبح للشيعة زعيماً روحيّاً، ولكنّه لم يكن الثائر السّياسي الذي يتزعّم جماعة الشيعة، حتّى أنّه آثر البقاء في المدينة طوال حياته. وحاول المختار بن أبي عبيدة الثقفي أن ينتزع عليّاً من حياة التعبيد والاشتغال بالعلم إلى ميادين السيّاسة، دون جدوى)(٣).
وما قاله هؤلاء وغيرهم تشويه صرف لمعنى (الإمامة) التي هي زعامة على العباد، وتدبير ‍أمور البلاد... فكيف للإمام حينئذ أن يبتعد عن السّياسة التي هي من شؤون الإمامة؟ ‍‍و‍نتساءل حينئذ: من أين انبعثت هذه الأفكار السلبيّة التي حجّمت دور عليّ بن الحسين في التاريخ السياسي والفكري؟

(١) الصّلة بين التصوّف والتشيّع: ج ١ ص ١٦٢.
(٢) نظريّة الإمامة لدى الشيعة: ص ٣٤٩.
(٣) جهاد الشيّعة: ص ٢٩.