في الكلمات التي تلقّاها آدم من ربّه فتاب عليه
السيد علي رضا الحائري
جاء في كتاب من وحي القرآن ١: ١٩٠، في تفسير قوله تعالى: (فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم)، ما نصه: (لعل في هذه الآية بعض الدلالة على أن الموقف كله في قضية آدم كان تدريبيّاً، من اجل أن يعي الانسان في مستقبل حياته كيف تتحرك الخطيئة في نفسه، وكيف تدفعه بعيداً عن الله... فقد عالجت هذه الآية قضية التوبة، ووضعتها في نطاق الأشياء المتلقّاة من الله، ممّا يوحي بأنّ آدم لا يحمل أيّة فكرة فطرية عنها، فكان الإيحاء والإلهام من الله من أجل أن يتعلّم كيف يتراجع عن الخطأ فلا يستمر عليه... أمّا طبيعة الكلمات فقد اختلف المفسّرون فيها، ولكن الأقرب إلى الذهن هو ما حدّثنا عنه القرآن في سورة الأعراف في قوله تعالى: (ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين))(١).
ولدينا ملاحظات على هذا الكلام تتّضح من خلال النقاط التالية:
١ - أن من الثابت والمقرّر في محلّه، أن علم الانسان بنفسه وكذلك علمه بأفعال نفسه علم حضوري، بينما علمه بما هو خارج عن أُفق النفس علم حصولي، وهذا يعني أن وعي الانسان وإدراكه للأشياء الخارجة عن دائرة النفس، معناه حصول صورة عنها في النفس، فقد تحتاج إلى تعلّم واكتساب، بينما وعيه وإدراكه لنفسه أي لذاته، و للأفعال التي تعتبر أفعالاً للنفس، من قبيل الإرادة والحبّ والبغض والخوف والأمن والندم، وكذلك وعيه لصفات النفس، أي الملكات التي تتحلّى بها كالشجاعة والعدالة وغيرهما، معناه حضور هذه الأمور لدى النفس، بدون حاجة إلى تعلّم واكتساب وتدريب وتمرين. إذن فشعورك بالآخرين مثلاً يعني حصول صورة عنهم في نفسك، بينما شعورك بذاتك وبإرادتك وبخوفك وندمك وشجاعتك، لا يعني حصول صورة عن هذه الأمور في نفسك، ولا يحتاج هذا الشعور إلى تعليم وتدريب، بل يعني حضور الإرادة والخوف والندم والشجاعة في النفس وثبوتها لديها. وصفوة القول أن إحساس الانسان بهذه الأمور وأمثالها إحساس وشعور داخلي وفطري وطبيعي، وهو في نفس الوقت من شؤون النفس ولوازمها.
٢ ـ أن الله تبارك وتعالى منذ خلق الانسان خلقه كائناً حيّاً يحتوي في تركيبته وكينونته على نفس وذات، وتمتلك هذه النفس صفات وأفعالاً تعتبر من شؤونها ولوازمها الخاصّة بها، وهي التي أشرنا إليها في النقطة الأولى، فالنفس وصفاتها وأفعالها مخلوقة من قبل الله تبارك وتعالى بنفس خلقة الانسان، وموجودة بنفس ذاك الإيجاد التكويني الطبيعي الذي أوجد الله فيه الانسان، فليس للنفس ________________________
(١) الاعراف: ٢٣.