رسالتنا بين الأهداف والوسائل
الشيخ فؤاد كاظم المقدادي
لو استقرأنا عالم الفكر لوجدنا أن الفكر نوعان: فكر لا تجد حقيقته، ولا تفقه جوهره إلاّ بحركته الشاملة والعميقة في الواقع ـ واقع الانسان والكون والحياة ـ وفكر آخر يأبى أن يتفاعل في الواقع، وحركته لا ترى لها وجوداً إلاّ في بطون الكتب السميكة وخيال المتفكرين والسنتهم المتمنطقة به، مثله كمثل سراب كلما اقتربت منه على ارض الواقع تلاشى وانتهى.
والفكر الاسلامي هو من النوع الاول من الفكر (وهو الفكر الواقعي) يعاني في مسيرته الموضوعية على يد حملته صراعاً في انتهاج احد سبيلين:
فهو إما أن يبقى فكراً مجرداً محاطاً بهالة من الذاتية، لا يترجم إلى الواقع العملي كمفردة من مفردات حركة الامة، فيبقى بذلك كالفكر الترفي يحتفظ باناقته وجماله المسطور بعيداً عن اثبات الحقيقة على محجة الواقع البيضاء، بما تحتويه من نقد بنّاء ومحاكمة عقلية ميدانية، وهذا السبيل يكرس ظلماً للفكر الاسلامي عن اثبات سلامته على ساحة التطبيق، ويبتعد به عن حقيته اشواطاً، وبذلك تفقد الامة والاجيال حقها في نقل الامانة إليها سليمة ناصعة.
وإما أن ينتهج السبيل الآخر ـ سبيل الحق والامانة ـ وهو الذي يرى الفكر الاسلامي حركةً فاعلةً حيّةً، يحمل معه كل مبررات البقاء أولاً، ومبررات التحرك والتطور وملاءمة الظروف المختلفة ثانياً، وفي مثل هذه الحالة، وهو يحاول فرض نفسه على الواقع، لابدّ له أن يصارع العقبات الكبيرة التي تحاول تحجيمه وتذويبه إلى حد التلاشي، وهنا تجدر الاشارة إلى أن هذا النوع من الفكر ـ الفكر الاسلامي ـ لابدّ له من علماء رساليين ومفكرين امناء يجددون حيويته ويترجمون اصالته ويتحركون به دوماً إلى أمام، متحدين ارهاصات الجهلة والخصوم، متحملين قسوة الظروف ومتغيراتها، ومستوعبين تحولات العصر ومستجداته. كما لابدّ لهؤلاء الرساليين من وسائل واساليب تتمشى مع متطلبات الظروف والعصر، لترجمة هذا الفكر بكل اقتدار إلى واقع موضوعي ملموس، يتناغم مع المسار الكبير الذي يوصل إلى الهدف الاسلامي بعيداً عن الانحراف والزيغ. وهذا ما تتحمل مسؤوليته اليوم بامانة وكفاءة الحوزات العلمية الكبرى لمدرسة اهل البيت عليهم السلام، ومرجعيتها الاسلامية العليا، واجهزتها الرشيدة، فهي بحق حصن الاسلام الحصين، ومنار الحق والاصالة لرسالة محمد ـ صلى الله عليه وآله ـ واهل بيته الطاهرين عليهم السلام.
ومسألة اخرى هي أن بين الاساليب والاهداف يتشعب العاملون للاسلام، وتختلف المناهج، فكثيراً ما يعمي حب الوصول السريع إلى الهدف الاسلامي أعيُن العاملين للاسلام، فيتوسلون بكل الوسائل للوصول إليه حتى لو كانت هذه تطعن الهدف الاسلامي في العمق، بينما يصرُّ الآخرون على أن تبقى وسائلهم طاهرة كأهدافهم، سليمة كغاياتهم، وكأن استعمال الوسيلة السليمة التي تتحرك في اطار الهدف الاسلامي، هدفٌ بحدِّ ذاته، بغض النظر عمّا ستكون عليه نتائج هذه الوسيلة ، سلباً أم ايجاباً،