مناقشة في الفقه السياسي: سلطة الفقهاء وفقهاء السلطة عند الإمام
الخميني
خالد توفيق(١)
أُفق المحاولة ومنهجها
من العسير تحديد مدى معين للمحاولات التنظيرية والتحليلية والجزم بان هذا المدى هو الذي كان يتوخاه المؤلف ويقصده، اذ ربما يغيّب التحديد بعض افكار المحاولة ويطمس شيئا من معالمها، ولا سيما اذا كان الكتاب من طراز (سلطة الفقهاء وفقهاء السلطة عند الامام الخميني)(٢) يمتد كميا على مساحة (٣٣٥) صفحة من القطع الكبير، ويروم زمنيا ان يمر على الخطوط التاريخية الكبرى للقرون الخمسة الاخيرة من تاريخ المسلمين السياسي والفكري، وما يداخله من التباسات داخلية وخارجية، كما ارتسم في كيانين سياسيين للمسلمين هما السلطنة العثمانية والسلطنة الصفوية وامتدادها القاجاري، قدر لهما ان يكونا اخر صيغتين للدولة الاسلامية العامة ـ غير القطرية ـ التي تعلن انتسابها للشريعة(٣)، وبسقوطهما انقطعت هذه الصيغة في الحكم التي دامت في حياة المسلمين اكثر من الف سنة وثلاثة قرون، وبدأ عصر الدولة القطرية القائمة على اساس قومي علماني صريح او مضمر، كما هو حال النموذج الكمالي الذي الت اليه تركيا بعد الغاء الخلافة، والنموذج البهلوي الذي آلت اليه ايران بعد الغاء القاجارية.
لا تقتصر صعوبة الرصد على هذا الامتداد الكمي والزمني المليء بالمنعطفات والملابسات وحسب، بل تبرز مرة اخرى ـ وربما على نحو اشد ـ ازاء طموح الكتاب فكريا، ومؤلفه يريد ان يخوض عباب الفقه السياسي بتياريه الكبيرين السني والشيعي، وما ينطوي عليه الاخير من تشعبات وفروع، في محاولة تلوذ بالمنهج التاريخي وتتابع التطبيق لكي تؤكد صحة افكارها مستشهدة عليها بخطأ التطبيق تارة وبصحته تارة اخرى، لتعزز في الحالتين صحة استنباطها من النص، قبل ان يرسو الشكل المثالي لنموذجها النظري في نظرية (ولاية الفقيه) بحسب قراءة الامام الخميني لها، ولنموذجها التطبيقي في صيغة (الجمهورية الاسلامية) التي انبثقت بعد انتصار الثورة الاسلامية.
هذا عن المحاولة في امتدادها وافقها. اما عن منهجها فالملاحظ ـ اذا صح رصدي ـ انها ركّبت بين صيغ متعددة ابرزها المنهج التاريخي الذي يتابع الوقائع ويرصدها ثم يحللها ليقارن نتائجها بمسلماته