أشد الذنوب ما استهان به صاحبه. ( نهج البلاغة ٤: ٨١ )      صدر العاقل صندوق سره. ( نهج البلاغة ٤: ٣)      هلك خزان الأموال وهم أحياء والعلماء باقون ما بقي الدهر. ( نهج البلاغة ٤: ٣٦)        العقل حفظ التجارب، وخير ما جرّبت ما وعظك. ( نهج البلاغة ٣: ٥٢ـ ٥٣)      الغيبة جهد العاجز. ( نهج البلاغة ٤: ١٠٦)      
البحوث > المتفرقة > لماذا وماذا نقرأ؟ الصفحة

لماذا وماذا نقرأ؟
الشيخ عبد الجبار الرفاعي
بالقراءة والتدبر يستفيق وعي الانسان، ويمارس عقله الوظيفة الكبرى التي خُلِق لأجلها، وتميز بها عن سائر المخلوقات الاخرى، بل أضحت له السيادة عليها، ومنح الحق في تسخيرها والافادة منها في بناء حياته وتأمين متطلباتها المتنوعة. فالقراءة هي المصباح الذي يقوده لاستجلاء اسرار هذا العالم، واستكشاف النواميس والسُنن المتحكمة فيه، ثم التعرف على مبدئه ومصيره، وبالتالي تحديد مركزه في العالم، ووظيفته ازاء خالقه ومبدئه، وحدود حريته في كيفية استخدام المخلوقات واستثمارها في اشباع حاجاته. وتدل أول كلمة يهبط بها الوحي من السماء وهي الأمر (اقرأ) والتي أُردفت بعد آية واحدة بالأمر الآخر (اقرأ وربك الأكرم)، تدلّ دلالة واضحة بما لا يقبل الشك على ان القراءة هي الأداة الضرورية لأية عملية بناء تشاد في حياة الانسان، فكما يتوقف إرساء الرؤية الكونية التوحيدية على استكناه الواقع والتعرف على شيء من اسراره، باعتباره أقرب السبل التي توصلنا الى ترسيخ الاعتقاد بالله، كذلك تتوقف أية خطوة تتقدم بها حياة الانسان الى الأمام وتساهم في إرساء حضارته على القراءة وسبر قوانين الطبيعة وسنن الحياة الاجتماعية.
وبوسعنا ان نستظهر جملة دلالات من (اقرأ باسم ربك الذي خلق... اقرأ وربك الأكرم)(١)، منها ان القرآن وسمَ النبي الكريم ـ صلى الله عليه وآله ـ وأمته بسمة تكريم تجعل هذه الامه متفوقة على سواها من الامم اذا واظبت على قراءة وتدبّر القرآن، والطبيعة، والحياة البشرية، أي قراءة الوحي والواقع، بينما يتراجع موقعها ويتعرض مسارها لانكسارات لو أهملت القراءة، لأنها ستغفل عن لحظتها الراهنة، ويحتجب عنها المستقبل، فتظل ساكنة فيما العالم من حولها يتحرك. ومن الدلالات التي يحكيها الأمر بالقراءة، هي ان هذا التكرار السريع للأمر، واستهلال الوحي به، يؤرخ إلى منعطف حضاري عميق يؤذن ببداية عصر العلم والمعرفة ومضي عصر الجهل والأمية، وهو تعبير عن دخول الأمة التي ستقرأ وتتدبر ما تقرأ العصور الجديدة، التي تحمل فيها مشعل العلم إلى البشرية كافة، وتظل تواصل هذه المهمة سبعة قرون، فيما الأمم الأخرى ـ أوربا خاصة ـ ترزح في دياجي الجهل والخرافة، وما تفرضه الكنيسة من عقائد ومفاهيم وآراء تعسفية متخلّفة. غير ان الدور الحضاري للأمة الاسلامية تراجع حالما انحسر اهتمامها بالقراءة والتدبر، فانطفأت في حياتها جذوة الإبداع، وعادت إلى ما بيدها من ميراث الاسلاف تكرر شرحه وتفكر في مداراته.

(١) سورة العلق، الآيات ١ـ٣.