نهضة الإمام الخميني: البعد التاريخي
صائب عبد الحميد(١)
ليست الاحداث التاريخية كائنات من اجناس شتى.. ليست احجاراً يقذف بها المجهول في بركة راكدة فتهز مياهها لتحدث فيها دوائر تتباعد عن المركز ثم تتلاشى الى الابد.. انها كائنات حية تتوالد وتتعاطى عبر صيرورة التاريخ... انها حركة، وللحركة دوافعها وتحركاتها الكامنة والفاعلة، ولها آثارها التي هي أحداث جديدة، وليدة، ستنجب هي الاخرى عبر حركتها الدائبة أحداثاً اخرى..
فليس هناك حدث تاريخي مقطوع الجذور عن الاسباب والمبررات.. وما هذه الاسباب والمبررات الا معطيات التاريخ التي تتعاضد في صناعة ذلك الحدث القادم. هذا هو التاريخ في حركته وصيرورته، سواء كانت حركته تصاعدية مطردة، او انها رسمت مساراً متعرّجاً، صعوداً وهبوطاً، فعلى اي حال كان فليس في التاريخ (طفرات تاريخية) من صنف الطفرات الوراثية في الجينات، ليس فيه معجزة خارقة للعادة، إلاّ في احداث معدودة،كالطوفان، وانفلاق البحر لموسىليهلك فرعون، وحتى في مثل هذه الاحداث لا تأتي المعجزة الا حلقة في نسق تاريخي، ومن خلاله فقط تكتسب مبرراتها، فحتى المعجزة بهذا المعنى هي وليدة الحدث، او النسق التاريخي..
ومن هنا فان الحدث التاريخي، اي حدث، انما يكتسب معناه الحقيقي من خلال البحث عن جذوره التاريخية، وموقعه في صيرورة التاريخ، وليس من خلال اجتثاث جذوره من الارض وتحويلها صوب السماء، كما يفعل المغالون عادة وهم يستعرضون عظماءهم، ظانين خطأً ان الارتباط بالسماء يكون من قبل الجذور، بل ظانين ان المقدس ليس له بالارض صلة، وما كان له صلة بالارض فهو ارضي لا تمتزج به القداسة.
وليس الامر كذلك، فكل ما يستحقه صانع الحدث التاريخي الكبير من تعظيم انما هو آت من تفعيل كامل قدراته في استثمار المعادلات التي اذا ما احسن استثمارها، اتت بالتغيير المطلوب، الحدث التاريخي، خلافاً لسائر الناس الذين تمر عليهم الفرص دون ان يشعروا، وتطرق على رؤوسهم المنبهات والمحفزات، فلا يستفيقون، بل وحتى اولئك الذين ينفعلون مع التحديات ولكن دون المستوى المثمر الخلاّق.. الشريحة الاولى هم عظماء البشر، وهم صانعوا التاريخ بهذا المعنى.
في هذه القراءة نود الوقوف على هذا المعنى الآخر للنهضة، نهضة الامام الخميني، المعنى الذي يضفيه عليها موقعها في حركة التاريخ، واستجاباتها الخلاقة لتحدياته، وحواراته البناءة مع متغيراته.
هذا ما اردناه من البعد التاريخي، وقد وضعنا له تخطيطاً رباعياً(٢)، سنقف عند ابعاده الاربعة: (الجذر التاريخي) و(المعرفة التاريخية) و(المعطى التاريخي الفكري، التراث) و(المعطى الفلسفي، تفسير التاريخ).