في التوراة والماسونية المنابع الأولى للصهيونية
عبد الغفار نصر(١)
في السنة السابعة من العقد الأخير من هذا القرن كثرت البحوث والدراسات التي تتحدث عن ميلاد الصهيونية ـ مؤتمر بال / ١٨٩٧م ـ بزعامة تيودور هرتزل، وكانت مجلة (شؤون فلسطينية) قد نشرت عام ١٩٧٢ م وقائع ندوة صهيونية في خمسة وسبعين عاماً.
في هذا البحث لن اتعرض لا لوقائع الندوة، ولا للبحوث التي تنشر في هذه الاعوام الأخيرة، وذلك أن معظمها وقع في اغلوطة تاريخية مزمنة وحادة حول تاريخ نشأة الصهيونية واهدافها وابعادها الايديولوجية في السياسة والاقتصاد والاجتماع. وقبل أن أسهب في هذا البحث الشائك المعقد، لابدَّ من طرح الحلم التوراتي أولا، وما هي دعواه؟ وما هي المبادىء والأسس والقواعدالتي اعتمدها؟
التوراة والحلم التوراتي
يقول فيليب حتي صاحب تاريخ سوريا ولبنان: (إن العبرانيين كانوا الشعب السامي الرابع الرئيسي الذي سكن سوريا بعد الأموريين والكنعانيين والآراميين)(٢).
ولا عجب فهناك من المستشرقين من كان اكثر ضيقاً وحقداً على العرب والاسلام ونبي المسلمين ـ صلى الله عليه وآله ـ كتبوا في تاريخ العرب والإسلام من خلال منهجية تخصهم وباسلوب يتزامن مع طموحاتهم واهداف حكوماتهم الاستعمارية قديماً وحديثاً، التي تتطلع إلى بلاد الشرق وتنظر إليه مزرعة غنية وخصبة صالحة لمراعيها، ولم تكن وليدة القرن التاسع عشر أو العشرين، إنما منذ زمن مبكر جداً، منذ أن نظروا إلى الإسلام بدعة نصرانية. يقول جولد تسهير:
(فلا يوجد كتاب اعترفت به طائفة دينية اعترافاً عقيدياً على أنه نص منزل أو موحى به يقدم نصه فى أقدم عصور تداوله مثل هذه الصورة من الاضطراب وعدم الثبات كما نجد في النص القرآني) ويقول مستشرق آخر: (إن إله المسلمين جبار مترفع، بينما إله المسيحية عطوف متواضع. (ان فيليب حتي ومعظم المستشرقين أخذوا بالخبر الضعيف في بعض الاحيان وحكموا بموجبه واستعانوا بالشاذ والغريب(٣).
ان الدراسات الحديثة(٤) تكذب هذه المزاعم، وتثبت بما لا يقطع الشك ان مجيء العبرانيين لم يكن موجات بشرية حلّت في أرض فلسطين، وكذلك في التوراة كتابهم المقدس، أو بعض مما مشى في ركاب الغرب وتغرب بالصورة التي يرضى بها الغرب ويتكافأ مع الدور العملي للسيادة الاستعمارية بكل اشكالها بما فيها الاستيطانية.