نقد مناهج العلوم الإنسانية وخطوات صياغة مناهج إسلامية للعلوم الإنسانية
د. محمد أمزيان(١)
المنهج الغربي في اطاره التاريخي
من المهم جدا ان نضع المنهج الغربي الذي طبق في مجال العلوم الإنسانية والطبيعية على السواء في إطاره التاريخي; لكشف الحيثيات التاريخية، التي كان لها النصيب الأوفر فيتوجيه هذا المنهج الى الاستقرار في صياغته الأخيرة وهي صياغة ذات بعد ايديولوجي أكثر منه علمي.
لقد استقر اليوم عند كثير من الباحثين أن السمة التي طبعت العقلية الغربية في فترتهاالقروسطية هي سمة الوهم والخرافة ومضايقة الفكر العلمي الحر، وكل ذلك كان يتم باسم الحفاط على قدسية الدين والخضوع لسلطة النص المقدس، مع العلم أن النصوص المقدسة كانت تتداخل مع تفسيرات رجال الدين التي اعتبرت بدورها مقدسة، وكان هذا التداخل قويا جدا بحيث يتعذر الفصل بينهما.
وكنتيجة مباشرة لهذا التداخل احتكرت الكنيسة مجال التفكير وحرمت كل تفكيريخالف تقاليد البابوية، وسادت النزعة النصية أو ما يسميه بعض مؤرخي الفكر الغربي بالتقديس العقلي للكلمة المنقولة (٢) وفرضت حلولها الوهمية ليس فقط في مجال الفكروالعلم بل في مجال الحياة حيث تميزت فترة الألف عام، التي احتكرت فيها الكنيسة (٥٠٠ ـ١٦٠٠ م)، بتدخل الكنيسة قهرا في تنظيم كل ما يتعلق بحياة الإنسان الى درجة أن تمتع الإنسان في حقوقه في الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية كان مشروطا بأن يكون كاثوليكيا وبتبعيته للكنيسة الرسمية، وبقبوله لكل الأحكام والتعاليم والأوامر التيكانت تصدر عن هذا الجهاز.
لقد كان الفكر الديني ممثلا في المسيحية الكاثوليكية، وكان رجال الدين يعبرون أصدق تعبير عن هذا النظام الفكري البابوي، وعندما بدأت أوروبا تسير في طريق التحرر وقامت الثورة ضد تعاليم رجال الدين وكل ما ينسب اليهم من ثقافة وفنون، كان من المنطقي أن تتجه المقاومة الى الدين نفسه، فقد استقر في أذهان المفكرين الأحرار وجود تلازم بين الدين ورجاله، خاصة وأن البابا كان يعتبر نفسه نائباً عن الله في الأرض.
فإذا كانت الكنيسة قد فرضت النمط الديني في السياسة والاجتماع والتعليم والفن والبحث العلمي... اذا كانت قد فعلت كل ذلك باسم الدين، فإن حركة علمانية الحكومة والمؤسسات الإدارية والتشكيلات الاجتماعية يعني تحويل المجتمع والحياة الاجتماعية الى حياة إنسانية، وتجعل من الإنسانية شرطاً في الحياة بدلاً من الإنسان الكاثوليكي، ومن هنافإن المحتم والمنطقي ان المفكر المحب للإنسانية لا يسعه إلاّض ان يكون علمانياً(٣).