مدرسة الاسكندرية
واغتراب الفكر الفلسفي في الإسلام
* البروفسور محمد علي أبو ريان
لم يكن موقع الإسكندرية المكاني ليعبر فقط عن اختيار عبقري لموقع استراتيجي يمثل همزة الوصل بين شعوب العالم القديم في منطقة تركزت فيها الحضارات القديمة، وكذلك أعظم الأديان السماوية وغير السماوية، بل إن هذا الموقع المكاني قد أفرز تيارات روحية وثقافية عن طريق الإنتشار الثقافي الذي تمثلت في تياراته عوامل الربط التاريخي بين الحضارات، سواء أكانت مصرية قديمة أم فينيقية أم بابلية أم آشورية أم يونانية قديمة، وذلك كله فضلاً عن الاحتمال المرجح في أن تكون هذه المنطقة الوسطى من العالم هي موطئ الإنسان الأول على وجه العموم.
ولقد كانت الإسكندرية تمثل بعد إنشائها نقطة انطلاق لجماع هذه الحضارات المتجهة من المشرق إلى المغرب لتصب في موطن الحضارة اليونانية بشمال إفريقيا إلى إسبارطة. ربما كان هذا المصير هو الذي ارتبط بحركة الإسكندر حينما دحر فلول الفرس من مصر، إذ كان ذلك يعني أنه يكتب مسيرة خالدة لجامعة ثقافية تقوم في المغرب القريب، ولم تستطع أي مدينة أخرى أن تقوم بدور الإسكندرية عبر تسعة قرون من تاريخها الطويل، بل لقد أصبحت كل من أثينا وبيروت فرعين لها، كما قصرت روما فيما بعد عن أن تكون منارة للعلم والثقافة، واقتصر دورها على المجد العسكري الإمبراطوري.
على الرغم من أن الإسكندرية قد اشتهرت في الغالب بتناول الفلسفة ومذاهبها، إلا أنه من الثابت أنها كانت تشهد أيضاً حركة علمية ورياضية عظيمة حيث ازدهرت معاملها وعمرت مكتباتها بكل نفيس وقيم من الكتب، وتقدمت فيها علوم الفلك والعلوم الطبيعية والكيميائية والحيوية على وجه العموم، وهذا إلى جوار التيارات التطهرية التي ظهر أثرها في مدرسة أفلوطين، ومن بينها الغنوصية(١)