مِعيَارُ الإبداعِ الشّعري وَمَبَاحِثُ المَعرفَةِ العَرَبِيَّةِ الاسلاميَّة
الدكتور عبد الحسين مهدي عواد
متفرغ للبحث ـ لندن
لن يتيسر لفن الشعر دراسة مبكرة متخصصة ينفصل بها عن المعارف الإسلامية المتعددة، وإنما انتظمت النظرات الفنية الأولى له في ثنايا مختلف فروع الثقافة العربية الإسلامية منذ نشأة مداخلها الأولى. فقد اقتصرت دراسة قيم الشعر ومعايير تلك القيم على المفاهيم والمصطلحات الثقافية للعصور الإسلامية المتعاقبة. ففي الوقت الذي كانت فيه الرواية الأدبية هي مصدر الدراية والمعرفة، كان الشعر ونقده فيه يستمدان المقاييس مما يروى عن أحسن الشعر وأجوده وأكثره تأثيراً في النفوس. وعندما بدأت العلوم الإسلامية العربية تتفرع إلى تخصصات يساعد كلٌ منها الآخر على التعرف والكشف عن إرادة المشرِّع وأسرار التشريع وعلل العقائد وقواعد اللغة وسبل الإستدلال والبرهنة; بدأ نقد الشعر يتخذ له أُطراً تنظيرية يعرض فيها مسائله وينظم في حدودها سبل الكشف عن قيمه وعناصر الجودة فيه. ولغاية ذلك الحين ـ أي بداية تفرع العلوم الإسلامية ـ فإن قيمة الأدب بقيت مناطة بأساسيات المعارف التي يرد في سياقها واستمر نقده يستعين في استنباط معاييره وأُسسه بمفاهيم ومقاييس المعارف المتعددة الأُخرى. فكان حجم الكتابة المتخصصة في الأدب وفنونه; أو في الشعر ونقده ومعالم الإبداع فيه; أقل بكثير مما كتب عنه في ثنايا مباحث الدراسات الإسلامية المختلفة كالتفسير والبلاغة والنحو والتاريخ والأصول وغيرها.
التفكير الفلسفي والإبداع
من المداخل الثقافية التي أغنت المصطلح النقدي العربي وأثرت في عملية التقييس ووضع المعايير التقيمية للإبداع الأدبي هي النشاطات الفلسفية العربية. فهي في الحقيقة نشاطات ثقافية تداخلت في أفكارها وشروحها مختلف ألوان المعرفة العربية الإسلامية. ولهذا فإن المتتبع للدراسات النقدية يجدها مواكبة لمباحث النحو والبلاغة والفقه والأصول والدراية والمنطق والفلسفة.
لقد تميزت مباحث الفلسفة عن غيرها بأسبقيتها في تاريخ الثقافية الإنسانية من جهة، ومن جهة أُخرى، هي أكثر المعارف عناية بتعيين مستويات الإدراك الذهني وأهميتها في الخلق والإبداع. وبموجب ذلك سبقت مباحث الفلسفة غيرها من مباحث المعارف الأخرى في طرح المعالجات المستفيضة للمعرفة الفنية ومعالم قيمها وسبل قياسها وبيان خصائص النفس المتلقية لها. لقد ناقشت آراء الفلاسفة كيفية تجسيد القيم الأدبية بالسلوك الإنساني القويم الذي ينشأ عنه التوازن المطلوب لحياة الكائن البشري. ثم اتسعت مباحث الفلسفة حتى استوعبت كافة مداخل الثقافة العربية; وأنارت السبل لتعميق المدارك الذهنية التي انطلقت لتأصيل مختلف جوانب المعرفة; الأمر الذي كاد يجعل من مباحث الفلسفة مشرباً ثقافياً مهماً ينتهل منه المتخصص بفن الشعر فرضيات أُسس الإبداع وتنظيراته وأصوله.