وحدة المنهج العلمي
* البروفسور مراد وهبة
القاهرة ـ مصر
وحدة الكون تلزم منها وحدة العلم. وإذا كانت وحدة العلم تعني وحدة الطبيعة والمجتمع كانت العلوم الطبيعية والإنسانية محكومة بهذه الوحدة.
وكانت هذه الوحدة، في البداية، أسطورية. فقد قال هوميروس مثلاً إن نهر زونتوس إستشاط غضباً لأن أخيل ملأه بالجثث، وأن الآلهة تظهر للناس وتختفي كما تشاء ـ وكان هزيود يرى أن زيوس، كبير الآلهة، يذل الأقوياء، وأن الآلهة هم آخر المواليد بدعوى أن القوى الطبيعية سابقة على الآلهة المكلفين بتدبيرها. ولهذا كان أرسطو يدعو الشعراء باللاهوتيين لمعالجتهم العلم في صورة الأسطورة.
فقد جاء الطبيعيون الأوائل، ونظروا إلى هذه الوحدة بأسلوب عقلاني بقدر الإمكان. فقال طاليس إن الماء هو المادة الأولى، والجوهر الأوحد الذي تتكون منه الأشياء. ودلل على رأيه بأن النبات والحيوان يتغذيان بالرطوبة، ومبدأ الرطوبة الماء، والتراب يتكون من الماء. فما منه يغتذي الشيء يتكون منه بالضرورة. ثم إن النبات والحيوان يولدان من الرطوبة.
ورغم معارضة مَنْ جاؤوا بعد طاليس إلا أنهم كانوا عقلانيين مثله. من هؤلاء أنكسيمندريس وأنكسمانس وهرقليطس. فأنكسيمندريس كان يرى أن المبدأ الأول لا يمكن أن يكون معيناً، وإلا لم نفهم أن أشياء متمايزة تتركب منه، فدعا المادة الأولى (( اللامتناهي )). وقال أنكسيمانس إن المادة الأولى هي الهواء اللامتناهي. وقد آثره على الماء لأنه ألطف، ولأنه علة وحدة النفس. فالنفس هواء، ولفظ psyche باليونانية يعني النفْس والنَفَس. فالهواء نفس العالم وعلة وحدته. أما هرقليطس فعنده أن النار هي المبدأ الأول الذي عنه تصدر الأشياء وترجع إليه. ولهذا فهي نار إلهية يعتريها التغير. وبفضل التغير تصير ناراً محسوسة. يتكاثف بعضها فيصير بحراً، ويتكاثف البعض الآخر فيصير أرضاً، ويعود كل ذلك ناراً مرة أخرى. ويحكم التغير (( اللوغوس )) أو القانون الكلي.
بيد أن هذه الوحدة العقلانية لم تستمر طويلاً إذ استحالت، في العصر الوسيط، إلى وحدة دوجماطيقية تضيق من أعمال العقل بدعوى (( تعقل الإيمان )) كما قال أوغسطين (( أؤمن لأتعقل )) كما قال أنسلم، أي أن الإيمان شرط التعقل. وبناء على ذلك ينكر أنسلم على الجدليين محاولتهم