لا تظلِم كما لا تحب أن تُظلَمَ. ( نهج البلاغة ٣: ٤٥)      ما خيرٌ بخيرٍ بعده النار، وما شرٌّ بِشَرٍّ بعده الجنة. ( نهج البلاغة ٤: ٩٢)      هلك خزان الأموال وهم أحياء والعلماء باقون ما بقي الدهر. ( نهج البلاغة ٤: ٣٦)      من أكثر من ذكر الموت رضي من الدنيا باليسير. ( نهج البلاغة ٤: ٨١ ـ ٨٢ )      عجبت لمن يقنط ومعه الاستغفار. ( نهج البلاغة ٤: ١٩)      
البحوث > المتفرقة > رهانات مستقبلية الصفحة

رهانات مستقبلية
م. نبيل علي صالح*
قد يستغرب البعض ان يطرح مثقف على نفسه سؤالاً يتعلق بمستقبل الامة عندما تحاول ان تفكر بكيفية الخروج من انفاق الحاضر المظلمة، والانطلاق نحو آفاق المستقبل، خصوصاً وانها لا تملك أية اسس واضحة للتحرك على هذا المسار.
ان الاستغراب ناشئ، اساساً، من طرح هذا السؤال في ظل واقع مأساوي ومرير يمثل أسوأ ما وصل اليه المسلمون في تاريخهم القديم والحديث.
ان طرحاً كهذا يفترض، مبدئياً، ان يمتلك المسلمون الطاقات والقدرات العملية (وليس فقط النظرية) اللازمة للتحكم بمسارات حاضر الامة قبل التفكير بالسيطرة على المستقبل.. إذ كيف يمكن لامة مفككة وعاجزة وضعيفة في سياساتها واقتصادياتها.. لا تملك حرية واستقلالية قرارها السياسي والاقتصادي والامني.
كيف يمكن لها ان تفكر بامتلاك المستقبل؟! خاصة واننا نعيش الآن في اكثر المفاصل التاريخية غرابة واثارة للجدل الفكري والانساني، في طبيعة المشهد البشري القَلِق والمأزوم على مستوى الانسان في طبيعة علاقاته مع الانسان الآخر، وعلى مستوى علاقة الانسان مع البيئة والطبيعة وعناصر الحياة الاخرى .
اننا نرى ان التغير السريع هو ابرز سمة واهم مَعلم من سمات ومعالم هذا العصر. بل يمكن ان نقول: ان المتغير هو الثابت القانوني الوحيد المسيطر على اجوائنا العامة كلها في الوقت الحاضر.. ولعل هذه السرعة في التغير تجعل الانسان مشلولاً وفاقداً لقدرته على الحركة والانتاج والعطاء في الاتجاه الانساني الصحيح على صعيد تحقيق وتجسيد عنصر وقيمة العدالة على المستوى الحضاري الانساني كله. انها اضواء التغير الساطعة التي لم يحدث ان تغيرت حياة الانسان، من خلالها، بمثل هذه السرعة، أو بمثل هذه الطرق والآليات العملية الجديدة المبهرة والباهرة التي تفقد الانسان القدرة على التنبؤ بمواقع واحوال المستقبل القريب أو البعيد. وكيف ستؤول امور الحياة والمستقبل الانساني والكوني.
اجل لقد فتحت العلوم الحديثة ـ وما رافقها من تطورات هائلة في شتى ميادين الحياة ومجالات العمل الابداعي البشري ـ الباب على مصراعيه لنشوء ما يمكن تسميته بعلم «السيطرة على المستقبل» أو «المستقبلية» كرؤية نظرية علمية وموضوعية للغد الانساني. ان هذا التغير السريع ـ الذي نعيشه حالياً ونتحرك بين جوانبه، بوعي أو بدون وعي، والذي يطال اوصال ومرافق الحياة المختلفة ـ يعني ان المستقبل قد يكون (او ربما سيكون) شيئاً آخر مختلفاً عما كان موجوداً عند الاجيال السابقة. وهكذا سوف يبدو عالم المستقبل ـ بالنسبة الينا ـ مكاناً غريباً عن

(*) مهندس وباحث من سوريا ـ اللاذقية.