مد الجسور وتوثيق الصلات بين الدراسات التقليدية والدراسات الجامعية الحديثة
د. إبراهيم العاتي(١)
بين عصرين
لقد درجت الجامعات الاسلامية القديمة على تقاليد ومناهج علمية امتدت لقرون بعيدة، ورثها الخلف عن السلف حتى وصلت الى عصرنا الحاضر. ولاشك أن تلك التقاليد والمناهج قد واكبت نشأة العلوم الاسلامية وما تفرع عنها من علوم مختلفة منذ القرن الاول والثاني للهجرة وحتى نضوجها واكتمالها فيما بعد. يظهر ذلك جلياً في علم اصول الفقه، وعلم الكلام، وعلوم الحديث والرجال، وعلوم اللغة العربية وآدابها، وغيرها مما اكتمل هيكله وتحددت مضامينه ومشكلاته في حقبة زمنية لا تتعدى القرن السادس الهجري.
وعلى الجانب الآخر في الغرب الاوربي، كانت الجامعات والمعاهد العلمية تسير وفق الانماط القديمة السائدة في العصر الوسيط، والتي تغلب عليها الفلسفة المدرسية Scholastic Philosophyالمستندة الى منطق أرسطو والتراث العلمي اليوناني القديم، مضافاً اليها التعاليم الكنيسية الصارمة التي تحرم أي نقاش في المسائل التي تخالف منظورها للعلم والحياة والكون بوجه عام، حتى في المسائل العلمية التجريبية البحتة التي لا تدخل في مجال اختصاصها كمسألة دوران الأرض، التي خيّر العلماء بين
إنكارها أو التعرض للسجن والتعذيب أو القتل بتهمة (الهرطقة)!! ولذا طبعت الحركة العلمية في تلك الفترة بطابع الخوف وافتقاد الحرية، وهي شرط أساس منشروط الإبداع.
وحينما بدأت حركة الترجمة من العربية الى اللاتينية لأهم نصوص الفلاسفة والعلماء المسلمين; كالكندي والفارابي وابن سينا وابن الهيثم والرازي وابن رشد وغيرهم، وتركت آثارها الايجابية على عدد من العلماء وبعض الجامعات في الغرب، سارعت الكنيسة لتحيطها بالشكوك أو تعاملها بانتقائية خاصة، فتقبل ما يفيدها من تطور بعض العلوم كالطب والصيدلة وتهمل الباقي، اما المناهج العقلية والتجريبية التي ساهمت في تقدم تلك العلوم، والجوانب العقديّة التي ألهمت الانسان المسلم، وأطلقت حريته في النظر وتأمل آيات الكون، فقد أهملت أو حوربت محاربة شديدة، كما حصل مع الفيلسوف ابن رشد قاضي قرطبة، الذي شنت عليه الكنيسة حرباً شعواء بعدما أحست بخطره عليها.
وحينما أطلقت العصور الحديثة في الغرب الاوربي بداية بعصر النهضة شكّل ذلك صدمة
ــــــــــــــــــــــــــــ
(١) مدير الدراسات العليا والبحوث ـ الجامعة العالمية للعلوم الاسلامية ـ لندن.