موقظ الشرق
قراءة في المشروع الاحيائى لجمال الدين
عبد الجبار الرفاعي*
لم يكن جمال الدين استثناءً من المصلحين والثوار والمجددين الذين تتعرض صورتهم باستمرار للتزوير والتشويه، لأن المصلح والثائر والمجدد يدعو لأفكار غالباً ما تتقاطع والرؤية الساكنة التي ألفها الجمهور بتوارثها جيلاً بعد جيل، وطالما تجاوز هؤلاء الدعوة للأفكار الجديدة فراحوا يعملون على تهيئة شتى الوسائل واستخدام مختلف الاساليب من أجل تغيير الواقع الاجتاعي وتطهيره من المفاهيم التعطيلية المميتة، فينجم عن ذلك موجات عاصفة تثير اهتزازات اجتماعية عميقة وتكسر حالة الصمت وتحدث دوياً هائلاً.
آنئذ ينقسم المجتمع الى عدة طوائف، تبرز على السطح، منها اثنتان، واحدة تنحاز الى القديم الذي ورثته عن السلف، فيما تلتحق الآخرى بقافلة المصلح او الثائر والمجدد وتتبنى افكاره الجديدة وتجاهد من اجل اعادة بناء المجتمع في اطار هذه الافكار وتحريره من مفاهيمه القديمة، بينما تتترس الطائفة الاولى وتقاوم بعنف أية محاولة لمراجعة الماضي وقراءة وتحليل مكونات الرؤية التقليدية، وتوظف كل ما لديها من وسائل لاجهاض مثل هذه المحاولة، ولعل تزوير افكار المصلح وتشويه صورته وآثارة الشبهات حول دعوته هي دائماً أول وأيسر الوسائل التي يتوكأ عليها المنحازون للماضي. وقد كانت شخصية ودعوة السيد جمال الدين الحسيني المعروف بـ (الافغاني) من أوضح المصاديق لذلك، فقلما نجد مجدداً ثائراً في العصر الحديث التبست شخصيته وطمست معالم مشروعه كجمال الدين، وهذا ما نعاينه في اختلاف الناس والباحثين في موطنه ومذهبه ونشأته وتعليمه وسلوكه السياسي ومحطات حياته ورحلاته، وكل شيء يتصل به، فمثلاً ذهب تلامذته وأصحابه المقربون الى القول بأفغانيته من أمثال الشيخ محمد عبده(١)، وأديب اسحاق(٢)، وعبد القادر المغربي(٣)، ومحمد باشا