لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. ( نهج البلاغة ٤: ٤١)        ربما كان الدواء داءّ والداء دواء. ( نهج البلاغة ٣: ٥٢)      كل وعاء يضيق بما جعل فيه إلا وعاء العلم فإنّه يتسع. ( نهج البلاغة ٤: ٤٧)      خاطر من استغنى برأيه. ( نهج البلاغة ٤: ٤٨)      من رضي عن نفسه كثر الساخطون عليه. ( نهج البلاغة ٤: ٣)      
البحوث > المتفرقة > وظيفة الدين في المجتمع الصفحة

وظيفة الدين في المجتمع
الأستاذ أحمد أمين بك
أمتاز القرن الثامن عشر والتاسع عشر بوضع خطّة ترمي إلى أن يكون العلم أساس الحياة، وبشّر الدعاة فيهما بأن العلم هو الذي يزيل شقاء العالم، ويزيد من سعادته، وهو الذي ينبغي أن تبنى عليه كل نظم الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية. وأدّاهم هذا النظر إلى الاعتقاد (بالجبر) ولكن لا على النحو الذي كان يقول به الأقدمون، وهو أن ظروف الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والطبيعية، ترغم الناس على نوع من الحياة لا يمكنهم أن يتحولوا عنه، فالفقر نتيجة طبيعية للنظام الاقتصادي، وسوء حالة الأفراد في بؤسهم وضعف عقلهم واضطرابهم وخرافاتهم وأوهامهم، نتيجة طبيعية للنظم السياسية والاجتماعية التي يعيشون فيها، فإذا تغيرت تغيروا، وإذا حسنت حسنوا.
وهذا حق من ناحية أن الحياة ينبغي أن تؤسس على العلم، فالمشروعات التي تقترح، ونظم التربية التي توضع، وتنظيم الحياة الاقتصادية ونحو ذلك، كلها يجب أن تبنى على العلم والإحصاء والتجربة.
ولكن خطأ هذه النظرية جاء من أن العلم ليس كل شئ، وأنه لا يكفي وحده لإسعاد العالم، فانتشار العلم في أوروبا لم يمنع الحرب وويلاتها وأهوالها ولم يحقق الأمل الذي بشّر به العلماء، ولو خيّر أكثر الناس بين بيت أسس على أحدث طراز من العلم والصناعة فجهز بالراديو والتلفون ومكيّفات الهواء وأدوات الزينة ونحو ذلك وسكنته أسرة فقدت أحد أبنائها في الحرب، وبين بيت أقلّ مدنية وحضارة ولكن سلم أهله من الحرب وويلاتها، لفضلوا البيت الثاني على البيت الأول والحياة الثانية على الحياة الأولى.
لو كان الإنسان جسما فقط يخضع للعلم لصحت هذه النظرية من جميع وجوهها ولكن الإنسان جسم وروح، وعقل وقلب، ومادة وإرادة، فمن قصر النظر أن تنظم الحياة المادية وحدها من غير أن تنظم الروح، وينظم العقل وحده ولا ينظم القلب، وتجري تجارب المادة على الإنسان كأنه جماد من غير أن ينظر إلى إرادته الحرة.
لذلك نجحت المدنية الأوروبية في باب المادة وما يتعلق بها ولم تنجح في باب القلب وما يتصل به. والمدنية الصحيحة هي التي تعالج الإنسان في جانبيه اللذين فطر عليهما وهما جسمه وروحه.