هل من جامعة إسلامية ؟
القاضي محمد بن عبد الله العمري
تحقق، والحمد لله، ذلك الحلم الجميل الذي كان يداعب افكار العرب منذ زمن بعيد، وأنشئت " الجامعة العربية " التي كان لها الفضل الأكبر في تنبيه الشعوب العربية إلى ضرورة التآلف والتآزر في هذا العصر، حتى أصبح العرب بنعمة الله إخواناً متحابين متعاونين، شعورهم واحد، وأهدافهم واحدة، وأصبحت قضايا أي قطر من الأقطار قضايا للجميع، يشتغلون بها، ويفكرون فيها، ويتعاونون على حلها، ويشعر أقصاهم وأدناهم في شأنها بشعور واحد.
وإذا كانت " الجامعة العربية " حتى الآن لم تنجح النجاح الذي كان متوقعاً لها، والذي كان يرجوه كل عربي مخلص لعروبته، وإذا كان قد ران على صفحتها الناصعة شئ من غبش الحوادث الاخيرة، فإنما مرد ذلك إلى ما يحاك لها من الدسائس، وما يبث في طريقها من العقبات.
إن خصوم العرب يقلقهم دائماً، ويقض مضاجعهم أن يروا جميع شعوبهم متماسكة متآزرة، تصدر عن رأي واحد، وترمي إلى هدف واحد، ولذلك نراهم يتخذون كل الوسائل الظاهرة والخفية، ليفرقوا بين صفوفهم، ويخيلوا إليهم أن مصالحهم متعارضة، وأن لبعضهم مطامع وأغراضاً لا يرضى عنها الآخرون، وقد تساعدهم ظروف السياسة وتقلبات الأحوال في ظاهر الأمر، فيلتبس الحق بالباطل، وتتبلبل الأفكار، وتتهيأ النفوس لقبول الدعاوة السيئة، دعاوة التفريق والتمزيق وتقطيع الصلات بين ذوى الأرحام، وأبناء الأعمام.
وتلك شنشنة يعرفها التاريخ من أخزم، فما كان أعداء العرب بذى خلق يردعهم، ولا فضيلة تحول بينهم وبين ما يرتكبون من الإفساد، وما كانت لهم في الحقيقة قوى مادية، ولا قوى نفسية وأدبية، ترسم لهم في الخصومة دائرة شريفة لا يتعدونها، ولكنهم ألفوا أن يستبيحوا في سبيل مطامعهم وأغراضهم كل شئ، وأن يتوسلوا لقضاء مآربهم بكل وسيلة، والعالم اليوم عالم مادي ليس للمثل فيه قيمة، ولا لأخلاق الشرف وزن، فإذا لم يصحُ العرب وينتبهوا إلى هذه الحقائق وينظموا شئونهم على أساسها، فسيكونون ـ والعياذ بالله ـ طعما سائغا لنيران حامية يوقدها عليهم أعداؤهم، ولن تنفعهم يومئذ أرحامهم.