لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. ( نهج البلاغة ٤: ٤١)       كفى بالقناعة ملكاً وبحسن الخلق نعيماً/ نهج البلاغة ٤: ٥١.      من أشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات ومن أشفق من النار أجتنب المحرمات. ( نهج البلاغة ٤: ٧ـ ٨ )        الحرفة مع العفة خير من الغنى مع الفجور. ( نهج البلاغة ٣: ٥٢)      قدر الرجل على قدر همته. ( نهج البلاغة ٤: ١٣)      
البحوث > المتفرقة > وجه استقباح العقوق عرفاً الصفحة

وجه استقباح العقوق عرفاً(١)
 الشيخ محمد مهدى عبد الساتر
مقدمة
في هذا العنوان نحاول أن نبحث عن الوجه الذي لأجله استقبح العرف -بما هو عاقل مميز- العقوق، وكذا أن نلامس الوجه الذي لأجله حرّمه الشارع المقدس ضرورة أن العقل مهما بلغ من الصفاء والتمييز عاجز عن الإحاطة بتمام ملاكات الأحكام، وينبغي لفت النظر قبل الغوص في هذه النقطة إلى مسألة الحسن والقبح، ولو على نحو الإيجاز، فنقول :


(١) المتتبع لمعاجم اللغة لا يجد اختلافًا بين أصحابها حول معنى العقوق، غاية ما في الأمر أن لكل مفردة من مفرداتها خصوصيتها التي تسبق في الظهور، فالفرس تعق ، يقال فرس عقوق، أي انعقّ بطنها، واتسع للولد، والرمل عق أي انشق وخرق، ومنه قيل للبرق إذا انشقّ عقيقة، والنهر عقيقة، والعصبة ساعة تشق من الثوب، والوالد عقّ عن ولده إذا ذبح عن ولده يوم أسبوعه، وقد عق أباه إذا خرج عن طوعه وأمره، وعقّ والديه إذا قطعهما، ومنه انعقّ الغبار إذا انشقّ وسطع.
ومما تقدم يظهر معنى العقوق، فهو الشق والخرق والقطع والفسخ، ويمكن القول كمعنى جامع بأنه المباينة والمباعدة بين شيء أو أشياء على اختلاف أنحائها.
وبعبارة ثانية : المباينة والمباعدة بالنسبة للفرس هي عينها في جميع ما تقدم من مفردات، إلا أن نحو المباينة الحاصلة للفرس مغاير للنحو الحاصل في غيرها كما لعله يستظهر ذلك مما تقدم.
هذا لغة، وأما اصطلاحًا، فلا يوجد فرق بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي، إلا أنه اصطلاحًا مختص بحالة المباينة والمباعدة بين الولد ووالديه أو أحدهما، فعاقّ الوالدين من لا يبرّهما، والعقوق جحود الجميل، وعقوق الوالدين إساءة الولد لوالديه بالقول أو الفعل وإيذائهما أو إغضابهما بترك الإحسان إليهما..
وتجدر الإشارة إلى أن هذا المعنى متفق عليه بين الأعلام، إلا أنهم لم يتعرّضوا لحالة المباينة والمباعدة الحاصلة من الوالدين اتجاه ولدهما، ولذا رأيتهم يسترسلون في الكلام عن المعنى الأول دون الثاني، وإن كان المعنى الأول أكثر ورودًا في النصوص لخطره وعظمه، باعتبار أن العقوق غالبًا يترقب من جهة الولد لا من جهة الوالدين،فكان طبيعيًا أن يكثر الأئمة سلام الله عليهم الإلفات إليه ولكنهم لم يهملوا الجنبة الأخرى للعقوق، وإن لم يثبتوا جميع ما اثبتوا للجنبة الأولى من آثار شرعية ووضعية، ولم يضعوا هذه الآثار في الكفة نفسها لتلك..