من فوائد التاريخ
السيد سعد البخاتي
من فوائد قراءة التاريخ والتمعّن في حوادثه الاستفادة من تجارب الآخرين، واكتساب الحكمة التي قال المولى عنها: ? وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً? (١) ومن فوائده معرفة الحقّ، فمن يقرأ التاريخ قراءة واعية، ويمرّ على سيرة المتقدّمين ومواقفهم من دون تعصّب لشخص أو جهة يستطيع أن يرسم لنفسه منهجاً معتدلاً يحدّد فيه السلوك الصحيح من الخاطئ، ويميّز الحقّ من الباطل، فيختار لنفسه ما يشاء، فإنّ التاريخ صورة حية، وبرنامج حياتي متكامل ينقل لنا المقدمات والنتائج، يروي لنا المواقف وعواقبها، وبذلك يكون القارئ للتاريخ على بيّنة من الأمر في فهم الحقائق ومعرفة الصواب.
وقد استطاع الكثير أن يصل إلى المعرفة الصحيحة والنتائج الحقّة في شتى المعارف من فقه أو تفسير أو عقائد من خلال بوابة التاريخ الموثوقة، وعلى سبيل المثال أودّ أن أنقل لك أيّها القارئ الكريم حادثة وقعت بين عَلمَين من أعلام الأمّة الإسلامية، يتحاوران حول موضوع في غاية الأهمية؛ علّنا نصل من خلالها إلى الحقّ، وسبيل الرشاد.
هذان العلمان هما عمرو بن عبيد، وهشام بن الحكم وهو شاب في مقتبل العمر مملوء بالحيوية والنشاط، يحمل الرسالة الإسلامية همّاً يتحرّك من خلاله.
يتوجّه هشام إلى البصرة عندما يسمع بأنّ عالماً من كبار العلماء قد أقام فيها، يحدِّث الناس في الفقه والكلام والتفسير وسائر المعارف الإسلامية، وكان يعتقد ـ كسائر إخواننا من أهل السنة ـ بأنّ النبيّ صلى الله عليه وآله خرج من الدنيا ولم ينصب إماماً للأمة من بعده.
يدخل هشام إلى البصرة من أجل اللقاء بهذا العالم ليستمع إلى حديثه، ويتحاور معه عن قرب، فيصلا إلى الحقيقة التي تستحقّ أن يبذل الإنسان كلّ شيء من أجل التعرّف عليها، والوقوف على حدودها.